
قضية فلسطين لدي الإمام الشهيد ، في المقام الأول قضية الإسلام وأهل الإسلام ، هي كما قال : (قلب أوطاننا وفلذة كبد أرضنا وخلاصة رأسمالنا وحجر الزاوية في جامعتنا ووحدتنا ) وعليها ( يتوقف عز الإسلام أو خذلانه ).
وقد جعل الامام الشهيد القضية الفلسطينية قضية العروبة والإسلام في القرن العشرين ... وبقدر ماكان هذا التصور واضحا في فكر الإمام الشهيد .. إلا أنه لم يكن كذلك لدى عامة الشعب المصري وخاصته بل وغيره من الشعوب الإسلامية في ذلك الحين.. اللهم لا تلك العصبة التي رباها الإمام الشهيد على عينه ، ومن هنا كانت الجهود المضنية التي يذلها الإمام الشهيد وإخوانة في تعريف الناس وتوعيتهم بكثير من المؤامرات على بلاد المسلمين، وفي مقدمة ذلك فلسطين. وكان حريصاً أن يعلم كل مصري وكل مسلم خارج مصر أن الإنجليز قد احتلوا فلسطين وحكموا أهلها بالحديد والنار وأنهم يمهدون لإقامة دولة يهودية عليها، وطرد أهلها منها، ويقومون بتدريب اليهود وتأهيلهم، وفي الوقت ذاته يطاردون كل مسلم على أرض فلسطين إن تدرب على حمل السلاح ويحكمون عليه بالإعدام.
وقد بذل من نشاطات مختلفة من ندوات ومحاضرات ودروس لتوعية الشعب المصري بما يجب عليه إزاء ذلك الشعب المسلم في فلسطين.
فها هو ذا رحمه الله يعلن في المؤتمر الخامس لجماعة الإخوان المسلمين أن الوطن الإسلامي كلٌ لا يتجزأ والاعتداء على جزء منه اعتداء عليه كله، ولابد أن يعمل المسلمون لتخليص البلد المعتدى عليه، وإنّ إنجلترا قد احتلت فلسطين وفلسطين وطن كل مسلم باعتبارها من أرض الإسلام ومهد الأنبياء وعلى المسلمين أن يحرروها من أيدي غاصبيها كما يجب عليهم أن يحرروا غيرها ممن اغتصبوها .. قال رحمه الله: (ونذكر الوفود الإسلامية بمكر إنجلترا وخداعها، ووجوب القيام على حقوق العرب كاملة غير منقوصة، ولنا حساب بعد ذلك مع إنجلترا في الأقاليم الإسلامية التي تحتلها بغير حق، والتي يفرض الإسلام على أهلها وعلينا معهم أن نعمل لإنقاذها وخلاصها).
وقد كان رضي الله عنه يرسل شباب الأخوان إلى المساجد ليحدثوا الناس عن ظلم الإنجليز وبطشهم وقساوتهم على أهل فلسطين ويجمعوا التبرعات منهم من أجل الدفاع عن فلسطين .. ومما يؤسف له أن كثيراً من الناس في مصر في ذلك الوقت كانوا يجهلون أن هناك بلداً اسمه فلسطين، وأن هذا البلد أقرب إلى القاهرة من أسوان، فأحدث البنا رحمه الله هذا الوعي السياسي في هذا الشعب، فبذل الدم والمال من أجل إنقاذه.
وقام الإمام رحمه الله بتوزيع كتاب (النار والدمار في فلسطين) وهو كتاب يعرض بالصور والوثائق الجرائم التي ارتكبتها بريطانيا ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، ومن هذه الصور هجوم الإنجليز على البيوت، وصورهم وهم يمزقون المصحف الشريف ويدوسونه بأحذيتهم وصور من الجرائم والتعذيب بلغت 50 صورة.
لقد أمر البنا رحمه الله بتوزيع عشرات الآلاف من هذا الكتاب فجن جنون الإنجليز في مصر وأوعزوا للحكومة المصرية بمنع هذا الكتاب وملاحقة من وزعه، فداهمت المركز العام قوات من البوليس المصري فوجدت من الكتاب 150 نسخة.
وسأل رئيس القوة عن صاحب هذه الكتب فتقدم الأستاذ البنا وقال: أنا صاحبها، فطلب الضابط من الإمام البنا أن يصحبه إلى النيابة وجرى التحقيق التالي مع البنا رحمه الله.
س: هل أنت صاحب هذه الكتب؟
ج: أنا صاحبها.
س: ألا تعلم أن هذه الكتب تهاجم السلطات وتثير الشعب ضد دولة صديقة وحليفة بحكم المعاهدة؟
ج: أعلم ذلك، وقد قصدت مهاجمة هذه السلطات، ومهاجمة هذه الدولة الحليفة.
س: ألا تعلم أن القانون يعاقب على هذه الجريمة؟
ج: أعلم، وأنا ولا أمانع في إحالتي للقضاء، لأني معترف بهذه الجريمة ومصر عليها.
وأنهى وكيل النيابة التحقيق ورفعه للنائب العام ليحاكمه وكان الإمام البنا كما رأيتم يرغب بالمحاكمة لتكون له فرصة أمام القضاء ووسائل الإعلام ليبشر بفكرته وموقفه.
وهذا ما فطن إليه العملاء بتوجيه سادتهم الإنجليز والقادة الإنجليز في القاهرة، فقد قال السفير للنائب العام بعد أن قرأ التحقيق: إنك بهذا التحقيق تقدم لحسن البنا أعظم خدمة دون أن تدري... لقد استطاع هذا الرجل أن يضحك عليكم ... لقد وزع الكتاب وأصبح في أيدي الناس في كل مكان وما صادرتموه منه لا يعد شيء يذكر بجانب ما تم توزيعه. إن أمنية هذا الرجل هي أن يقدّم للقضاء ليتخذ من منصة الدفاع عن نفسه في هذه القضية السياسية وسيلة إلى نشر أفكاره، وإلى التشهير بنا، وفضيحتنا، وتوصيل ما تضمنه الكتاب إلى أسماع من لم يصل إليه عن طريق الصحف التي ستتبارى في نشر ما يقال في القضية كدأب الصحف في القضايا السياسية... هذا التحقيق يجب أن يحفظ ويفرج عن الأستاذ البنا في الحال
سلكت الجماعة العديد من السبل لتوعية الأمة والشعوب الإسلامية بالقضية الفلسطينية .. منها إصدار منشورات تهاجم الإنجليز ومظالمهم في فلسطين وتبيّن خطر اليهود، وكانت توزع على نطاق واسع جداً .. ودعوته رحمه الله إلى مقاطعة المجلات اليهودية في القاهرة، فطبع قائمة كشوف بأسماء هذه المجلات وعناوينها، والأسماء الحقيقية لأصحابها، وذُيّلت هذه الكشوف بهذه العبارة: إن القرش الذي تدفعه لمجلة من هذه المجلات إنما تضعه في جيب يهود فلسطين ليشتروا به سلاحاً يقتلون به إخوانك المسلمين في فلسطين.
وقد أثار هذا الفعل الصحف الإنجليزية فحملت عليه مُستعدية الحكومة المصرية على مُصدري هذه المنشورات أو الكشوف.
ومما يجدر ذكره أن الحكومة المصرية وسلطات الاحتلال كانوا جميعاً يفاجأون بهذه المنشورات، وهي تراها في أيدي الناس في الشوارع والمحلات والمعاهد والمدارس، وكان كبار موظفي الدولة والوزراء يذهبون في الصباح الباكر إلى مكاتبهم فيجدون هذه المنشورات عليها.
ثم طلب الأستاذ البنا إلى الإخوان المسلمين وسائر المسلمين في المساجد أن يقنطوا في صلواتهم من أجل فلسطين، ووجه بذلك كتباً إلى شعب الإخوان ذاكراً مشروعية هذا القنوط في النوازل ونازلة فلسطين من أشد النوازل، واقترح دعاء مفاده طلب النصر من الله لإخواننا أهل فلسطين على أعدائهم وإزالة الكرب عنهم وتأييد جهادهم.
وقد أحدثت هذه الجهود بفضل الله تعالي أثرها المرجو .. ينبأنا به تلك التحقيقات مع شباب الإخوان في المعتقلات.
المحقق معه: مرسي الصوت، صياد.
يقول له النائب العام: مالك ومال فلسطين، دي دولة، واحنا دولة.
مرسي الصوت: فلسطين دولة عربية ومسلمين وتربطنا بهم صلة الجوار وصلة الإسلام والقرآن.
النائب: لكن أنت صياد ومالك تدخل في صفوف الطلبة.
مرسي الصوت: ليس في الإسلام عامل وطالب، كلنا في الإسلام إخوان مسلمون، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
ويجري الحوار بين النائب والطالب محمود القبائي.
النائب: من الذي أصدر إليك الأمر بعمل مظاهرة لفلسطين.
الطالب: الإسلام يأمرنا بالتعاون والتساند، ورسولنا " يقول لنا: مَنْ لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
النائب: لكن فلسطين دولة غير دولتنا ولا يعنينا أمرها.
الطالب: فلسطين جارة لنا، وهي أقربُ لنا من أسوان، ولابد من الاهتمام بأمر الجار خوفاً من أن يجاورنا اليهود الذي حذّر الله منهم.
ومما يجدر ذكره أن الأستاذ البنا قد زار بعض الطلاب المعتقلين في دمنهور فقال له مأمور القسم يجامله: إن المسألة بسيطة وقريباً سوف تفرج عنهم النيابة।فقال له الأستاذ المرشد: إن هذه أول دفعة، وسوف تأتيك دفعات أخرى ما بقي حالُ البلاد الإسلامية على هذا لمنوال، فكلّ هذا بالنسبة لنا تربية.
وللحديث بقيه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق