الأربعاء، ١٣ فبراير ٢٠٠٨




"... حينما قامت الثورة الفلسطينية القوية في عام 1936 تجاوبت معها الشعوب الإسلامية في كافة أنحاء الأرض، وخرجت المظاهرات السلمية تعلن ذلك في قوة وحرارة .. ففي مصر كان الإخوان المسلمون وهم القوة الشعبية الوحيدة في ذلك الوقت التي أدركت أبعاد الصراع مع العدو الصهيوني فخرجت المظاهرات في أغلب محافظات القطر المصري وكان أبرزها تلك المظاهرات التي اشتعلت في الإسكندرية والتي قبض في أثنائها علي الأخ الحاج عباس السيسي وجمع كبير من إخوانه، وكذلك حدث في مظاهرات الإسماعلية أن قبض علي الأخ المرحوم الشهيد يوسف طلعت وبعض إخوانه. وحينما أصدرت الحكومة البريطانية ما أسمته بالكتاب الأبيض الذي بين سياسة الانجليز في فلسطين، وخيب أمل الفلسطينين والعرب جميعاً .. كتب الإمام الشهيد حسن البنا خطاباً وجهه إلي رفعة رئيس الوزراء وقتئذ المرحوم محمد محمود باشا بتاريخ 2 ربيع الثاني 1358 هـ ( الموافق 21 من مايو سنة 1939 ) بدأ بالفقرة الآتية بعد أن حمد الله وأثني عليه : " أما بعد ... فقد نشرت الصحف نص الكتاب الأبيض الذي أصدرته الحكومة الانجليزية عن فلسطين وقرأ الإخوان المسلمون ذلك الكتاب المشئوم في ألم واستنكار وثورة .. أما الألم فلتلك النكبات المتلاحقة التي تحل بفلسطين الأبية المجاهدة ذلك الجزء العزيز الغالي من الوطن الإسلامي العام .. وأما الاستنكار فلذلك التحدي الصريح لشعور المسلمين، وتلك الإهانة القاسية لزعمائهم ورؤساء حكوماتهم. ولقد كان للحكومة المصرية من هذه الإهانة الحظ الأوفر إذ ساهمت في محادثات لندن والقاهرة بأكبر نصيب.. وأما الثورة فسأكون ياصاحب المقام الرفيع صريحاً معكم في بيانها إلي أبعد حدود الصراحة..
ثم قال الإمام الشهيد رحمة الله : فمنذ قامت الثورة الإسلامية بفلسطين والإخوان المسلمون يساهمون مع جنود تلك الثورة الرائعة الكريمة بأموالهم وإن قلت، وجهودهم وإن انحصرت في نطاق ضيق، وكنا نحاول دائماً أن نهديءمن ثائرتهم آملين أن تصل الحكومات العربية إلي حل لقضية الإسلام والعروبة يحقق للمسلمين آمالهم وللعرب حقوقهم ، ولقد شجعنا علي انتهاج سبيل التهدئة ما كنتم تصرحون به رفعتكم من أن مصلحة القطر الإسلامي الشقيق تقتضي سير المفاوضات في جو هاديء । ولقد كنا متوقعين برغم ذلك - طوال تلك الفترة العصيبة من أن الإنجليز واليهود لن يفهموا إلا لغة واحدة هي لغة الثورة والقوة والدم . ولكن تحاشينا أن نتعجل الحوادث حتي لا يكون لأحد حجة علينا إن اضطرتنا الحوادث فيما بعد إلي أن نسلك السبيل الذي ترضاه ضمائرنا . والأن وقد جاهر الإنجليز واليهود في كل أنحاء العالم حتي يهود أمريكا التي تتخذ الحياد شعاراً لها في كل مشاكل العالم الآن. وقد جاهر الانجليز واليهود المسلمين بالعداء فأصبح لزاماً علي كل أخ مسلم أن يؤدي واجبه بما يرضي الله ورسوله وبما يحفظ للإسلام كرامته وللدين قداسته ولذلك الجزء الطاهر من أرض الوطن الإسلامي حريته " . كما جاء في فقرة أخري من الخطاب : يا صاحب المقام الرفيع : " إن الدماء التي خضبت أرض فلسطين ॥ إن آلاف الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل المثل الإسلامي الأعلي .. إن شباب العرب الذين أرسل بهم الانجليز إلي المشانق مئات إثر مئات ... إن الشيوخ الذين أنزل بهم المستعمرون ألواناً وحشية من التعذيب الذي أعاد إلي الأذهان صور محاكم التفتيش في أسوأ عهودها.. إن المسجد الأقصي الذي انتهكت حرمته واعتدي الجنود الانجليز علي قداسته .. إن كرامة زعماء المسلمين وملوكهم وأمرائهم الذين تدخلوا في هذه القضية فلم يسمع لهم مشورة ولم يطع لهم قول بل كرامتكم أنتم شخصياً وقد كنتم محل أمل كبير في ذلك .. إن كل أولئك ليهيب بك أيها المسلم أن تبذل في سبيل الله ما وهبك الحق تبارك وتعالي من روح ومال لتكون جديراً بالاسم الذي تحمل وباللواء الذي ترفع وبالزعيم الذي أنت به مؤمن، ويجعل من الواجب علي الحكومة المصرية وقد لحقت بها تلك الإهانة البالغة أن تحافظ علي كرامتها - وكرامتها من كرامة الشعب - وليس يكفي أن تعلن أنها لا توصي أبناء فلسطين بقبول الكتاب الأبيض، فهناك وسائل كثيرة أقلها استقالة الحكومة حتي لا تتعاون مع الانجليز في الوقت الذي تلعب فيه السياسة الانجليزية ببقعة غالية من الوطن الإسلامي العزيز"



كما أرسل الإمام الشهيد في نفس التاريخ خطابا إلي السفير البريطاني في مصر يندد فيه بالسياسة الانجليزية في فلسطين ويشجب الكتاب الأبيض ويطلب إليه رفع الاعتراض علي هذه التصرفات إلي حكومته بلندن .. وقد قال الأٍستاذ البنا رحمه الله في المذكرة :
" إن قضية فلسطين قضية كل مسلم، وإن الحكومات الإسلامية والشعوب الإسلامية إن عبرت عن إظهار هذا الشعور المتمكن من نفوسها.. فإن هذا مما يزيد ألمها، ويضاعف همومها، وبالتالي لابد من الانفجار يوماً للشعور المكبوت، فتخسر إنجلترا صداقة العالم الإسلامي إلى الأبد، نرجو أن تدرك الحكومة البريطانية هذه الحقيقة قبل فوات الوقت بالرغم من كل ما يخدعها به اليهود.
ومما يجدر ذكره أنه حينما سئل رئيس وزراء مصر وكان النحاس باشا، وهو في طريقه إلى فرنسا عن رأيه في الثورة المشتعلة في فلسطين وبيت المقدس - التي استمرت حتى عام 1939 وأوقعت آلاف الشهداء والجرحى وزجّ بعشرات الألوف في غياهب السجون- .. فأجاب بقوله: أنا رئيس وزراء مصر ولست رئيساً لوزراء فلسطين، ونشرت كثير من الصحف العربية والأجنبية هذا التصريح.
ولما بلغ هذا التصريح الأستاذ البنا انتفض أسداً يصدر تعليماته على الفور لجميع شعب الإخوان المسلمين ليتظاهروا احتجاجاً على ما تضمنه التصريح من تخلٍّ صريح عن فلسطين، فعمَّت المظاهراتُ جميع أرجاء القطر المصري، ورفعت شعارات تتضامن مع أهل فلسطين وتندد بالسياسة البريطانية فيها:
- فلسطين تحترق فتنبّهوا أيها المسلمون.
- فلسطين عربية إسلامية.
- تسقط بريطانيا حليفة اليهود ويسقط وعد بلفور.
- الدمار لأعداء الإسلام.
فدفعت الحكومة المصرية أعداداً من البوليس فاعتقلوا شباب الإخوان وفتشت بيوتهم وأسيء إلى أسرهم.
ولقد استطاع الإمام البنا رحمه الله أن يتجاوز حدود مصر في العمل السياسي وبخاصة قضية فلسطين، فدعا إلى عقد أول مؤتمر عربي من أجل نصرة فلسطين، وقرر أن يكون مقر المؤتمر دار المركز العام للجماعة بالقاهرة، ووجه الدعوات إلى رجالات البلاد العربية، فلبّوا النداء، وحلّوا ضيوفاً على جماعة الأخوان المسلمين.
وفي نهاية المؤتمر تكلم الأستاذ البنا، وختم المؤتمر بقرارات تطالب حكومات الدول العربية بالتدخل من أجل إنقاذ فلسطين من المؤامرة الإنجليزية اليهودية.
وبعد هذا المؤتمر صار يتوافد على دار المركز العام كثيرون من ذوي الرأي والسياسة ليتفاهموا مع الإخوان المسلمين فيما يجب عمله لإنقاذ فلسطين، وتمخضت الكفاءات عن ضرورة عقد مؤتمر برلماني عالمي، فوجهت الدعوات إلى جميع برلمانات العالم لعقد مؤتمر في القاهرة لمعالجة قضية فلسطين .. فاستجابت كثير من البرلمانات وأوفدت ممثلين لها وعقد المؤتمر بالقاهرة، وكان هذا أول مؤتمر عالمي من أجل فلسطين، تم فيه شرح القضية الفلسطينية، وانتهى المؤتمر بقرارات موجهة إلى جميع العالم وإلى الحكومة البريطانية بخاصة بوجوب المحافظة على حقوق أهل فلسطين.
لقد كان هدف الإخوان من هذه المؤتمرات هو أن يسمع العالم كله بعدالة هذه القضية وظلم الإنجليز الذين يزيفون الحقائق بتواطؤ مع اليهود.
وقد قام الإمام البنا رحمه الله بمظاهرة بلغت نصف مليون في 4/12/1947 انطلقت من الأزهر تضم الطلاب والعمال والمحامين والمهندسين ووقف خطيباً في الجماهير المحتشدة وكان مما قال: إن هذا الشباب ليس هازلاً، ولكنهم جادون عاهدوا الله ثم الوطن أن يموتوا من أجله، إن كان ينقصنا السلاح فسنستخلصه من أعدائنا ونقذف بهم في البحر

ليست هناك تعليقات: