الثلاثاء، ١٩ فبراير ٢٠٠٨

الادمان والجنس سبب المصائب


"انبعثت رائحة كريهة من إحدى الشقق المفروشة، فقام الجيران بإبلاغ الشرطة التي اضْطُرَّت إلى كسر الباب لتتبين أنها جثة لشاب مقتول منذ 12 يومًا على يد صديقه بعد مشاهدةِ الأفلام الشاذة ثم مارسا الشذوذ، وقد اشتبكا سويًّا بعدما قام القاتل بتصوير القتيل بكاميرا المحمول، فأسرع القاتل فاستلَّ سكينًا فطعنه بها ثمَّ سَرَقَ متعلقاته وفرَّ هاربًا تاركًا الجثة".
وهذه قصة فتاة بدأت بالمعارك المستمرة بين الأم والأب حول مصروف البيت، وأدمن الأب (سائق التاكسي) المخدرات، وكانت الأم تستغيث بشقيقها لتطليقها من هذا الزوج، وفي أحد الأيام جاء الأسرة خبر ضبط الابنة الكبرى في شبكةٍ للدعارة، فانتقلت الأسرة إلى مكانٍ لا يعرفهم فيه أحد، والتحقت البنت بمدرسةٍ تجاريةٍ، فاتصلت المدرِّسة لتخبرهم أن ابنتهم ضُبطت في شقةٍ مفروشةٍ وتمَّ إخلاء سبيلها، فاصطحبها خالها إلى مكانٍ بعيدٍ، وفي الطريق أوقف سيارته وقتلها وقام بتسليم نفسه للشرطة.. ماتت الابنة وسُجن الخال، وطُلِّقت الأم وما زال الأب (سائق التاكسي) ينقل زبائنه إلى ملاهي شارع الهرم!!.

مثل هذه الظواهر التقطها الكاتب الصحفي عامر شماخ، وتناولها بالرصدِ والتحليل للوصول إلى طرق العلاج؛ وذلك في كتابٍ بعنوان:
"كيف نُجنِّب أبناءنا مخاطر الإدمان والجنس".

مظاهر الانحراف
يرى الكاتب أن خطَّ الانحراف يبدأ عند الأبناءِ بسيطًا ثم يزداد، وخاصةً عند غيابِ الرقابة؛ فلا يجد الولد مَن يُحاسبه أو يسأله عن أصدقائه، ومن مظاهر الانحراف:
1- الهروب من المدرسة كمقدمةٍ طبيعيةٍ للتأخر الدراسي أو الفشل.

2- الكذب: حيث يكون وسيلةً للهروب من أسئلة الوالدين الملحِّة؛ فيختلق القصص والحكايات لتبرير غيابه.

3- السرقة: وأسبابها متعددة، وتحتاج لعلاجٍ نفسي وتربوي وعقابي.

4- السُّباب والشتم: حيث إنَّ فئةَ المنحرفين يستكملون مظهرهم ببذاءةِ اللسان وفُحْش القول.

5- مصاحبة الأشرار والانتساب إلى عصاباتِ المجرمين.

6- التعرف على الجنس الآخر وإقامة علاقات معهم: ويبدأ ذلك في سن المراهقة كعلاقاتٍ بريئة، ثم سرعان ما تتحوَّل إلى ورطةٍ قد تنتهي بجريمة.

7- التخلف الدراسي أو الفشل في إتمام التعليم: فهنا يفقد الولد الإحساس بالمسئولية ويتَّصف بسذاجة التفكير، ويُستحبُّ أن يكون له برنامج لاستيعاب جهده وتنشيط حركته.

8- الميوعة والانحلال: وهذا نتيجة للدلع وغياب التكاليف العبادية، وضعف شخصية الولد وافتقاده إلى الثقة بنفسه؛ مما يدفعه إلى تقليد الآخرين تقليدًا أعمى، ومن مظاهرها الميوعة في الملبس، وإذا تهاون البيت في ذلك يفتح بابًا لا ينسد من التقاليع التي ابتُلينا بها كمسلمين.

9- إدمان مشاهدة المواقع الإباحية للإنترنت والقنوات الفضائية الإباحية: والتي تزرع الميوعة، وربما تُوصِّل للشذوذ وانتهاك الأعراض وزنى المحارم.

10- الخلل الفكري واتباع طرق وطوائف غريبة: وربما ديانات أخرى، وهذا قمة الانحراف، ويستهوي شريحة عمرية من الشباب الذين هم في مطلع حياتهم الجامعية، مثل جماعات "عبدة الشيطان".

11- إدمان العادة السرية وإتيان الزنى والفواحش.

12- التدخين وإدمان المخدرات والخمور والمسكرات.

أسباب الانحراف
وأوجز الكاتب أسباب الانحراف في الآتي:
- المشكلات الأسرية: والتي ينتج عنها عدم استقرار الأبناء وهروبهم من الجو الخانق للفرار إلى رفقاء السوء، ويعد الطلاق من الأسباب الرئيسية في انحراف الأبناء.

- مجتمعات الفقر والجريمة: بيئة مناسبة لانحراف الأبناء؛ حيث لا يجد لقمة العيش فيفر باحثًا عنها، فتزكو في نفسه روح التمرد وحب الانتقام من الآخرين، خاصةً الأغنياء.

- الفراغ الذي يعانيه الأبناء- خاصةً المراهقين منهم-؛ فإن لم ينشغلوا بالدين والالتزام انحرفوا وسلكوا طرقًا أخرى.

- والتفاف أصدقاء السوء حولهم يسحبهم للمزيد من الانحراف.

- وغلظة الوالدين تفقدهم الصدر الحاني الذي يلوذون إليه وقت الحاجة.

- كما أن أفلام الجريمة والجنس تعد مصيبةً ابتُليت بها الأمة الإسلامية وزادت مخاطرها مع انتشار القنوات الفضائية، ويدعم ذلك انتشار المخدرات والخمور التي لم يعد تعاطيها مقتصرًا على فئة معينة، وصارت نسبة الشباب المدمن 17%، كما قدَّرتها بعض الإحصائيات.

- وأصبح غياب الدين سببًا رئيسيًّا في الانحراف.

- والإجراءات التي تتبعها الحكومة لصرف الشباب عن العمل بالسياسة: ومن هذه الوسائل مقاهي الإنترنت ومقاهي الشيشة وصالات البلياردو وغيرها.

- وفي ظل انشغال الوالدَين وغياب الرقابة المنزلية تصبح كل الأمور سهلةً.

- ولا يغفل عن أحد أن المؤامرات الدولية لاستهداف الشباب المسلم وما تفعله من حملاتِ الغزو الثقافي باسم العولمة وحقوق الإنسان، وما تُنادي به لحرية الجنس بعيدًا عن الزواج؛ بهدف تفكيك نمط الأسرة القديم.

ثم ينتقل الكاتب إلى التحدُّث عن الإدمان كظاهرة تبدأ بالتدخين باعتباره المدخل الرئيسي له، وأثبتت الدراسات أن 60% من المدخنين يبدءون فيه قبل سن العشرين، ووفقًا لما قاله د. جمال ماضي أبو العزائم رئيس الاتحاد العالمي للصحة النفسية "إن 99% من المدمنين مدخنون".

ومن الإدمان إلى الجنس؛ حيث التحدث عن الجنس غير المشروع، والذي يُصيب بالأمراض الفتاكة، مثل "الزهري- السيلان- مرض التقرحات الجنسية- النضج الجنسي المبكر- مرض الهوس الجنسي"، وللجنس غير المشروع إضراره الاجتماعية والنفسية والخلقية، ومن خطره الأخروي أنَّ الزاني غير التائب له عذاب أليم.

منهج الإسلام
ويرى الكاتب أنَّ في تجفيف منابع الفتن منهج ناجح؛ حيث مَنَعَ الإسلامُ الاختلاطَ الماجن بين الجنسين ونهى عن التبرُّج وإظهار زينة المرأة، وأمرها بعدم الخضوع بالقول وعدم السفر وحدها، ومنع لمس الرجل للمرأة، وأمر بغض البصر، وحرَّم النظر لمَن لا تحل، وتوعَّد لمَن يلوث أعراض المسلمين ويرميهم بالتهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النور: 23).

ولهذا احترم الإسلام مشاعر الرجل والمرأة ولم يحرِّم الحب؛ حيث قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لم يُرَ للمتحابين مثل النكاح" (أخرجه ابن ماجة)، وحرَّم كل شيء بخلاف ذلك، ومنها العادة السرية، ورغم اختلاف العلماء حولها بين محرِّم ومُجيز إلا أن الأضرار الناجمة عنها اتفق عليها الجميع منها إضرار جسمية، كإنهاك القوى ونحول الجسم، وضعف الذاكرة والبصر، وأمراض جنسية أخرى مثل العنَّة عند الرجال، وغيرها من الأضرار النفسية والعقلية، كضعف الإرادة وضعف الذاكرة، والميل للعزلة والانطواء والشعور بالخوف والحزن والكآبة، وقد يؤدي إدمانها إلى الشذوذ الذي قال عنه رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ملعون مَن عمل قوم لوط" (وكررها ثلاثًا- رواه الحاكم)؛ وذلك لِمَا يصحبه من آثار مدمرة وخطيرة.

وأوجز الكاتب أسباب الانحراف الجنسي عند الأبناء في:
1- تعرُّض الولد للمثيرات الجنسية.

2- الصحبة الفاسدة.

3- البيئة الفاسدة؛ قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا﴾ (الأعراف: من الآية 58).

التربية الجنسية
هي حل مناسب إذا أُحسن استخدامها بالتحدُّث مع الأولاد، وتغليف المعلومة الجنسية بشكل ديني، والاستقرار الأسري، والاستعانة بالمناهج الدراسية، والمساجد والمحاضرات؛ لتكامل العملية التربوية من أكثر من مصدرٍ وبأكثر من وسيلةٍ؛ ومنها:
1- معرفة الحلال والحرام وآداب الاستئذان والفصل بين الجنسين.

2- تعليم البنات الالتزام بالحجاب؛ لِمَا يحققه من فضائل وآداب، ويصنع حصانةً ذاتيةً ضد عوامل التحلل.

3- والأفضل أن يجلس الأب مع الذكور والأم مع الإناث.

4- تدريس الأبواب الفقهية الخاصة "بالاحتلام" و"الزنا" و"الاغتسال"، وهم على أبواب الحلم.

5- حفظ وتفسير سورة النور للأولاد، خاصةً البنات.

ويرى الكاتب أن التوبة هي أولى الخطوات التي يجب على المنحرف أن يخطوَها، ثم يبحث عن قادة رأي أسوياء يساعدوه في تعديل أفكاره وتصرفاته، ولا يمكن أن نغفل أن قوة الإيمان تمنح المذنب قوةً يستطيع من خلالها أن يخرج من أزمته، بالصلاة والزكاة والصوم والتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة.

ولم يغفل الكاتب أهمية القدوة في علاجِ المنحرف وضرورة مراقبة الله في السر والعلانية، والبعد عن الحرام، وتحرِّي الحلال، كما أن الحب والتراحم ضروريان أثناء فترة العلاج، وبعدها الصلة القوية بالله تمنح الثقة بالنفس، ولأن الدعاءَ يرفع البلاء، وينتصر على القدر.. ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأحقاف: من الآية 15).

الجمعة، ١٥ فبراير ٢٠٠٨

في ذكرى الإمام الشهيد "حسن البنا" رائد المشروع الحضاري الإسلامي

رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾ (يوسف).

إنني لا أكون مغاليًا ولا مجانبًا للصواب حين أقول: إن الله سبحانه وتعالى قد اختار على رأس القرن العشرين الرجل الملهم، والداعية الصالح، الإمام حسن البنا الذي جدَّد الإسلام، وحمل رايته قبل أن تسقط، فذاد عنها، وربَّى الرجال في ظلالها، ونشر الرسالة بين العالمين، جاء في الحديث: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" (أخرجه أبو داود).

لقد استطاع الإمام البنا أن يُكوِّن هو وإخوانه أهم حلقات الكفاح المصري والعربي والإسلامي المعاصر، لقد كانوا روحًا تسري في كيان الأمة فتحييها بالقرآن من جديد، بعد أن اجتمع عليها أعداؤها وعطَّلوها عن أداء دورها واستعمروها، وبهذه الشرارة الإيمانية عادت الأمة إلى الوجود، لتكافح في سبيل استرداد حريتها وكرامتها وهي تحمل راية التوحيد، وفي إطار مرجعية شرعية إسلامية مرنة بنَّاءة وعميقة وقوية وهادفة.

الفهم الشامل للإسلام
إن الإمام البنا يُعتبر- بحق- رائدًا للمشروع الحضاري الإسلامي، صاغه لبعث حركة الصحوة الإسلامية المعاصرة متمثَّلةً في جماعة الإخوان المسلمين؛ لأن الإسلام لم يكن في يومٍ من الأيام دينَ الزوايا أو القعود أو التعطُّل أو الدروشة التي ابتُلي بها العالم العربي والإسلامي في فترة التخلف، كما أن الإسلام لم يكن ذلك النمط الذي توقفت عنده المؤسسات في التعليم الديني، لكن الإخوان تجاوزوا كل هذه الأنماط والألوان وعمدوا إلى التلقِّي من السلف الصالح من الكتاب والسنة، ففي الحديث: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".

يقول الإمام البنا في مشروعه الذي قدَّمه لليسانس في كلية دار العلوم: "إن أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أملان؛ الأول: خاصٌّ، وهو إسعاد أسرتي وقرابتي، الثاني: عامٌّ، وهو أن أكون مرشدًا أو معلِّمًا؛ إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم ومنابع سعادتهم.. تارةً بالخطابة والمحاورات، وأخرى بالتأليف والكتابة، والثالثة بالتجوال والسياسة".

لقد أخذ الإمام البنا الإسلام على أنه ذلك النظام الشامل الذي ينظِّم شئون الحياة جميعًا، ويفتي فيها؛ فهو دين ودولة، ومصحف وسيف، وعبادة وقيادة، وتشريع وقانون؛ ولذلك أعلن أن جماعته هي دعوةٌ من الدعوات التجديدية لحياة الأمم والشعوب، وهي دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية.

مكانة القضية الفلسطينية
اهتم الإخوان اهتمامًا عظيمًا بقضايا العالم العربي والإسلامي، خاصةً قضية فلسطين التي احتلتها عصابات بني صهيون، ودنَّست مقدساتها، وارتكبت في حق شعبها أبشع أنواع التصفية والإبادة.

لقد أدرك الإخوان منذ وطئت أقدام عصابات بني صهيون أرضَ فلسطين مدى ما يخططون له، فاستعدوا له بالتربية الإيمانية الجهادية، وضاعف الإمام البنا جهودَه في كل مجال وميدان حتى أصبحت القضية الفلسطينية من القضايا المركزية عند الإخوان المسلمين، بل وعند الأمة العربية والإسلامية.

ويُعتبر الإمام البنا من شهداء قضية فلسطين؛ حيث كانت الدعاية الواسعة التي قام بها- ومن ورائه الإخوان- في مختلف المدن والقرى، وما أحدثه ذلك من استنفارٍ لشباب الإخوان لمواجهة الصهاينة في حرب فلسطين 48، وقيام الإمام البنا بزيارته للمجاهدين في فلسطين؛ كل ذلك جعل الصهاينة يفقدون عقولهم، ويشعرون بالخطر الحقيقي.

إن الجهود التي بذلها الإخوان ويبذلونها إلى اليوم على جميع المستويات في تحذير المسلمين من خطر المشروع الصهيوني الذي يستهدف هوية الأمة واحتلال أرضها ونهْب ثرواتها والقضاء على خصوصيتها الثقافية.. لَهُو أمرٌ يجب أن تنتبه له الأمة، خاصةً من يقدِّرون الموقف الحرج؛ فالأمر أصبح لا يَحتمل السكوت ولا المواقف السلبية، خاصةً من حكام المسلمين ومسئوليهم.

مواجهة الاستبداد
وقد اهتمَّ الإخوان بالحريات العامة والشخصية، ومواجهة الاستبداد والفساد على كافة الأصعدة والمستويات، وفي كل المجالات والميادين، واعتماد المنهج السلمي في الإصلاح والتغيير، وعبر القنوات الدستورية، وحق الشعوب في أن تعيش حرةً كريمةً أبيةً؛ تشارك في صنع الحياة وتقرير المصير، على اعتبار أن الأمة مصدر السلطات.

وقد أشعل الإمام البنا عاطفة الرحمة الإنسانية على الإطلاق، آخذًا من هذه الآية: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75)﴾ (النساء)؛ عطفًا على هؤلاء الذين يعانون المحنة والفتنة في عقيدتهم وفي دينهم، واهتمام الحق- تبارك وتعالى- بالمستضعفين، الذين فقدوا حريتهم وأوذوا، يأمر الله عز وجل الأمة المؤمنة بالجهاد لإنقاذهم؛ تحريرًا لهم، ومن باب أولى تحرير الأوطان التي عدا عليها الباغون، وكان المركز العام للإخوان ملاذًا لمَن طاردتهم أوطانهم وبغت عليهم؛ يجدون فيه الأمن والأمان.

رؤيته للمشكلة الاقتصادية
قدَّم الإمام البنا عددًا من الأسس للنظام الاقتصادي، منها: أن المال الصالح هو قوام الحياة، والإسلام أوجب الحرص عليه وحسن تدبيره وتثميره، كما أشار إلى وجوب العمل والكسب على كل قادر؛ لأن الإسلام حثَّ على ذلك، كما تحدَّث الإمام عن ضرورة الكشف عن الثروات الطبيعية والاستفادة منها، كما أشار إلى تحريم الكسب الخبيث، فقال: "من تعاليم الإسلام تحريم موارد الكسب الخبيثة كالربا والقمار واليانصيب والسرقة والغش"، وأشار إلى ضرورة التقريب بين الطبقات وإلى احترام الملكيات الخاصة، كما أشار إلى تنظيم المعاملات المالية، واحترام العقود والالتزامات، وتكلَّم عن الضمان الاجتماعي فقال: "إن الإسلام قرر الضمان الاجتماعي لكل مواطن، وتأمين راحته ومعيشته كائنًا من كان، ما دام مؤديًا لواجبه أو عاجزًا عن الأداء لسببٍ لا يستطيع أن يتغلَّب عليه، وأكَّد مسئولية الدولة في حماية النظام الاقتصادي وعن حسن التصرف في المال العام تأخذه بحقه، وتصرفه في حقه وتعدل في جبايته، وحذَّر من استغلال النفوذ، وتحدَّث عن لعن الراشي والمرتشي، وحرَّم الهدية على الحكام والأمراء".

التربية أساس البناء والتكوين
واهتمَّ الإمام البنا بالتربية اهتمامًا عظيمًا، فوضع لها من الوسائل والأساليب ما يؤدي إلى إعداد الفرد المسلم ليكون على الطريق الصحيح، نعم.. هو يعيش على الأرض، لكن قلبه موصول بالسماء؛ إذ بالتربية يصبح المسلمون أمناء أقوياء؛ تنفيذًا لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (2)﴾ (الجمعة).

لقد أحيا- رضي الله عنه- دار الأرقم، وما كان فيها من إعداد وتهذيب، وتخرَّج فيها أصحاب اليقين الثابت.

والتربية عند الإخوان هي الطريق الوحيد- أمس واليوم وغدًا- لبناء الرجال الأوفياء الأتقياء، كما هي الطريق الوحيد لإيجاد المسلم المجاهد، والحاكم الذي يحكم فيعدل، ويقول فيصدق، وكان الإمام يعلم أنها طريق طويلة شاقة كثيرة العقبات، ولا يصبر على تكاليفه إلا القليل من الرجال، لكنه الوحيد الموصِّل للهدف، ولا بديلَ عنه؛ ولأنه الطريق الذي سار عليه سيد الخلق- صلى الله عليه وسلم- فكوَّن وربَّى من قادوا الشعوب وربَّوا الأمم.

وتستطيع الأمة بالتربية أن تواجه شتى أنواع التحديات؛ ذلك لأن الشجرة الباسقة المحمَّلة بالثمار، المرتفعة في أجواز الفضاء لم تصل هذا المستوى إلا بعد أن ضربت بجذورها في التربة بمقدار هذا الطول فوق سطح الأرض، ولولا ذلك لما استطاعت أن تواجه الرياح والأعاصير الشديدة، ولولا هذه التربية لما استطاع الإخوان أن يواجهوا الصهاينة في فلسطين والإنجليز في القناة، وأن يواجهوا المحن والسجون والتعذيب والكروب التي مرَّت بهم.

لقد كان الإمام البنا- بحق- ملهَمًا حين حول جوانب الإسلام العظيم من نظريات في الكتب إلى واقع محسوس وملموس؛ فقد ظلت هذه الأصول في بطون الكتب طويلاً، ثم جاء الإمام البنا ليحدث هذه الصحوة الإسلامية المباركة في الإخوان المسلمين، والتي سرت إلى الشعوب وإلى الأمم، وانتقلت إلى مواقع كثيرة من العالم، والحمد لله رب العالمين।

عن موقع اخوان اونلاين
http://www.ikhwanonline.com/Article.asp?ArtID=34483&SecID=213

الأربعاء، ١٣ فبراير ٢٠٠٨




parent.document.title='الإمام حسن البنا وفلسطين .. (5) HassanAlBanna.com'; window.status='الإمام حسن البنا وفلسطين .. (5) HassanAlBanna.com'
(البنا وفلسطين)
الإمام حسن البنا وفلسطين .. (5)
استجاب النقراشي باشا لمطالب الاستعمار وحل جماعة الإخوان المجاهدة وقبض علي قياداتها ، وأودع السجون والمعتقلات أفرادها وكان خاتمة المطاف أن قرر خليفته في رئاسة حكومة السعديين إبراهيم عبد الهادي باشا اغتيال الإمام الشهيد وبذلك أسدل الستار الأسود علي قضية فلسطين ، وسجل الله تعالي بهذا الاغتيال موقف الإمام الشهيد من هذه القضية والعمل علي دحر الأعداء ، وذلك بفضل التربية التي أولاها الإمام الشهيد لجماعته فحبب إليهم الجنة ونعيمها وزكي فيهم روح الكفاح والنضال والجهاد في سبيل الله .
وبهذه المناسبة نذكر أنه بينما كان الإمام الشهيد في جولة يتفقد فيها مواقع المعركة علي أرض فلسطين إذ رأي فتي صغيراً يحمل بندقيته بين يديه وتبدو عليه روح الجهاد والصرامة فسأله الإمام : ما اسمك يافتي ؟ ..فقال : قيس .. فقال له مداعباً : وأين ليلاك ؟.. فقال : ليلاي في الجنة ، فسر الإمام من إجابته ودعا وله بخير .
وعندما قبل العرب الهدنة، التي كانت في حقيقتها خدعة لالقاء العرب السلاح، واستثمار اليهود الوقت لالتقاط الانفاس، ومن ثم تعبئة قواتهم، والاستعداد مجدداً للانقضاض على العرب، وقضم أكبر قدر من فلسطين، وحينما ضويق المجاهدون من الإخوان، في الأرض المقدسة، ومنعوا في بلادهم من الالتحاق بإخوانهم المتطوعين هناك، حيث كان يشتد أوار القتال، وحلت جماعتهم في مصر، وجه الآمام الشهيد حسن البنا رحمه الله خطاباً لرئيس الوزراء، النقراشي باشا ، يقول له فيه:
" لماذا تقبل الهدنة مع اليهود في فلسطين؟ .. إن الحرب في فلسطين بين عصابات صهيونية وافدة على أرض فلسطين، ونحن عصابات إسلامية مثلها ... دع العصابات تضرب بعضها، فإن انتصرنا، ففي هذا مجد مصر، وإن متنا، دخلنا الجنة التي زحفنا إلى فلسطين شوقاً إليها.
اتركنا في فلسطين نصارع الصهيونية، وأنت من حقك تحت الضغوط الدولية، أن تقبل الهدنة كما تشاء، ولكن ليس من حقك أن تمنع عصابات عربية أو مسلمة من أن تشتبك مع الصهاينة. الصهاينة عصابات ليست من فلسطين، ونحن عصابات لسنا من فلسطين. فليضرب الحق الباطل" !.
ومما يجدر ذكره هنا أن الحكومة المصرية التي كان يرأسها إبراهيم عبد الهادي قد شددت حملاتها في مطاردة الإخوان المسلمين وزجهم في غياهب السجون وأخذت تحيك المؤامرة ضد الأستاذ البنا لقتله والتخلص منه، بينما كان المجاهدون من الإخوان على أرض فلسطين قلوبهم تتمزق على ما يجري لإخوانهم على أيدي الطغاة والعملاء.
وإزاء هذا الألم الذي يعتصر المجاهدين على أرض فلسطين بعد حل جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة أموالهم وسائر ممتلكاتهم، كان الأستاذ البنا رحمه الله حريصاً على استمرار الجهاد في فلسطين، فأرسل رسالة إلى إخوانه المجاهدين يقول فيها: إنه لا شأن للمتطوعين بالحوادث التي تجري في مصر، ما دام في فلسطين يهودي واحد، فإن مهمتهم لم تنته ... ثم يختم رسالته بوصية طويلة للإخوان يوصيهم فيها بالتزام الهدوء وحفظ العلاقات الطيبة مع إخوانهم وزملائهم ضباط الجيش وجنوده المجاهدين



"... حينما قامت الثورة الفلسطينية القوية في عام 1936 تجاوبت معها الشعوب الإسلامية في كافة أنحاء الأرض، وخرجت المظاهرات السلمية تعلن ذلك في قوة وحرارة .. ففي مصر كان الإخوان المسلمون وهم القوة الشعبية الوحيدة في ذلك الوقت التي أدركت أبعاد الصراع مع العدو الصهيوني فخرجت المظاهرات في أغلب محافظات القطر المصري وكان أبرزها تلك المظاهرات التي اشتعلت في الإسكندرية والتي قبض في أثنائها علي الأخ الحاج عباس السيسي وجمع كبير من إخوانه، وكذلك حدث في مظاهرات الإسماعلية أن قبض علي الأخ المرحوم الشهيد يوسف طلعت وبعض إخوانه. وحينما أصدرت الحكومة البريطانية ما أسمته بالكتاب الأبيض الذي بين سياسة الانجليز في فلسطين، وخيب أمل الفلسطينين والعرب جميعاً .. كتب الإمام الشهيد حسن البنا خطاباً وجهه إلي رفعة رئيس الوزراء وقتئذ المرحوم محمد محمود باشا بتاريخ 2 ربيع الثاني 1358 هـ ( الموافق 21 من مايو سنة 1939 ) بدأ بالفقرة الآتية بعد أن حمد الله وأثني عليه : " أما بعد ... فقد نشرت الصحف نص الكتاب الأبيض الذي أصدرته الحكومة الانجليزية عن فلسطين وقرأ الإخوان المسلمون ذلك الكتاب المشئوم في ألم واستنكار وثورة .. أما الألم فلتلك النكبات المتلاحقة التي تحل بفلسطين الأبية المجاهدة ذلك الجزء العزيز الغالي من الوطن الإسلامي العام .. وأما الاستنكار فلذلك التحدي الصريح لشعور المسلمين، وتلك الإهانة القاسية لزعمائهم ورؤساء حكوماتهم. ولقد كان للحكومة المصرية من هذه الإهانة الحظ الأوفر إذ ساهمت في محادثات لندن والقاهرة بأكبر نصيب.. وأما الثورة فسأكون ياصاحب المقام الرفيع صريحاً معكم في بيانها إلي أبعد حدود الصراحة..
ثم قال الإمام الشهيد رحمة الله : فمنذ قامت الثورة الإسلامية بفلسطين والإخوان المسلمون يساهمون مع جنود تلك الثورة الرائعة الكريمة بأموالهم وإن قلت، وجهودهم وإن انحصرت في نطاق ضيق، وكنا نحاول دائماً أن نهديءمن ثائرتهم آملين أن تصل الحكومات العربية إلي حل لقضية الإسلام والعروبة يحقق للمسلمين آمالهم وللعرب حقوقهم ، ولقد شجعنا علي انتهاج سبيل التهدئة ما كنتم تصرحون به رفعتكم من أن مصلحة القطر الإسلامي الشقيق تقتضي سير المفاوضات في جو هاديء । ولقد كنا متوقعين برغم ذلك - طوال تلك الفترة العصيبة من أن الإنجليز واليهود لن يفهموا إلا لغة واحدة هي لغة الثورة والقوة والدم . ولكن تحاشينا أن نتعجل الحوادث حتي لا يكون لأحد حجة علينا إن اضطرتنا الحوادث فيما بعد إلي أن نسلك السبيل الذي ترضاه ضمائرنا . والأن وقد جاهر الإنجليز واليهود في كل أنحاء العالم حتي يهود أمريكا التي تتخذ الحياد شعاراً لها في كل مشاكل العالم الآن. وقد جاهر الانجليز واليهود المسلمين بالعداء فأصبح لزاماً علي كل أخ مسلم أن يؤدي واجبه بما يرضي الله ورسوله وبما يحفظ للإسلام كرامته وللدين قداسته ولذلك الجزء الطاهر من أرض الوطن الإسلامي حريته " . كما جاء في فقرة أخري من الخطاب : يا صاحب المقام الرفيع : " إن الدماء التي خضبت أرض فلسطين ॥ إن آلاف الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل المثل الإسلامي الأعلي .. إن شباب العرب الذين أرسل بهم الانجليز إلي المشانق مئات إثر مئات ... إن الشيوخ الذين أنزل بهم المستعمرون ألواناً وحشية من التعذيب الذي أعاد إلي الأذهان صور محاكم التفتيش في أسوأ عهودها.. إن المسجد الأقصي الذي انتهكت حرمته واعتدي الجنود الانجليز علي قداسته .. إن كرامة زعماء المسلمين وملوكهم وأمرائهم الذين تدخلوا في هذه القضية فلم يسمع لهم مشورة ولم يطع لهم قول بل كرامتكم أنتم شخصياً وقد كنتم محل أمل كبير في ذلك .. إن كل أولئك ليهيب بك أيها المسلم أن تبذل في سبيل الله ما وهبك الحق تبارك وتعالي من روح ومال لتكون جديراً بالاسم الذي تحمل وباللواء الذي ترفع وبالزعيم الذي أنت به مؤمن، ويجعل من الواجب علي الحكومة المصرية وقد لحقت بها تلك الإهانة البالغة أن تحافظ علي كرامتها - وكرامتها من كرامة الشعب - وليس يكفي أن تعلن أنها لا توصي أبناء فلسطين بقبول الكتاب الأبيض، فهناك وسائل كثيرة أقلها استقالة الحكومة حتي لا تتعاون مع الانجليز في الوقت الذي تلعب فيه السياسة الانجليزية ببقعة غالية من الوطن الإسلامي العزيز"



كما أرسل الإمام الشهيد في نفس التاريخ خطابا إلي السفير البريطاني في مصر يندد فيه بالسياسة الانجليزية في فلسطين ويشجب الكتاب الأبيض ويطلب إليه رفع الاعتراض علي هذه التصرفات إلي حكومته بلندن .. وقد قال الأٍستاذ البنا رحمه الله في المذكرة :
" إن قضية فلسطين قضية كل مسلم، وإن الحكومات الإسلامية والشعوب الإسلامية إن عبرت عن إظهار هذا الشعور المتمكن من نفوسها.. فإن هذا مما يزيد ألمها، ويضاعف همومها، وبالتالي لابد من الانفجار يوماً للشعور المكبوت، فتخسر إنجلترا صداقة العالم الإسلامي إلى الأبد، نرجو أن تدرك الحكومة البريطانية هذه الحقيقة قبل فوات الوقت بالرغم من كل ما يخدعها به اليهود.
ومما يجدر ذكره أنه حينما سئل رئيس وزراء مصر وكان النحاس باشا، وهو في طريقه إلى فرنسا عن رأيه في الثورة المشتعلة في فلسطين وبيت المقدس - التي استمرت حتى عام 1939 وأوقعت آلاف الشهداء والجرحى وزجّ بعشرات الألوف في غياهب السجون- .. فأجاب بقوله: أنا رئيس وزراء مصر ولست رئيساً لوزراء فلسطين، ونشرت كثير من الصحف العربية والأجنبية هذا التصريح.
ولما بلغ هذا التصريح الأستاذ البنا انتفض أسداً يصدر تعليماته على الفور لجميع شعب الإخوان المسلمين ليتظاهروا احتجاجاً على ما تضمنه التصريح من تخلٍّ صريح عن فلسطين، فعمَّت المظاهراتُ جميع أرجاء القطر المصري، ورفعت شعارات تتضامن مع أهل فلسطين وتندد بالسياسة البريطانية فيها:
- فلسطين تحترق فتنبّهوا أيها المسلمون.
- فلسطين عربية إسلامية.
- تسقط بريطانيا حليفة اليهود ويسقط وعد بلفور.
- الدمار لأعداء الإسلام.
فدفعت الحكومة المصرية أعداداً من البوليس فاعتقلوا شباب الإخوان وفتشت بيوتهم وأسيء إلى أسرهم.
ولقد استطاع الإمام البنا رحمه الله أن يتجاوز حدود مصر في العمل السياسي وبخاصة قضية فلسطين، فدعا إلى عقد أول مؤتمر عربي من أجل نصرة فلسطين، وقرر أن يكون مقر المؤتمر دار المركز العام للجماعة بالقاهرة، ووجه الدعوات إلى رجالات البلاد العربية، فلبّوا النداء، وحلّوا ضيوفاً على جماعة الأخوان المسلمين.
وفي نهاية المؤتمر تكلم الأستاذ البنا، وختم المؤتمر بقرارات تطالب حكومات الدول العربية بالتدخل من أجل إنقاذ فلسطين من المؤامرة الإنجليزية اليهودية.
وبعد هذا المؤتمر صار يتوافد على دار المركز العام كثيرون من ذوي الرأي والسياسة ليتفاهموا مع الإخوان المسلمين فيما يجب عمله لإنقاذ فلسطين، وتمخضت الكفاءات عن ضرورة عقد مؤتمر برلماني عالمي، فوجهت الدعوات إلى جميع برلمانات العالم لعقد مؤتمر في القاهرة لمعالجة قضية فلسطين .. فاستجابت كثير من البرلمانات وأوفدت ممثلين لها وعقد المؤتمر بالقاهرة، وكان هذا أول مؤتمر عالمي من أجل فلسطين، تم فيه شرح القضية الفلسطينية، وانتهى المؤتمر بقرارات موجهة إلى جميع العالم وإلى الحكومة البريطانية بخاصة بوجوب المحافظة على حقوق أهل فلسطين.
لقد كان هدف الإخوان من هذه المؤتمرات هو أن يسمع العالم كله بعدالة هذه القضية وظلم الإنجليز الذين يزيفون الحقائق بتواطؤ مع اليهود.
وقد قام الإمام البنا رحمه الله بمظاهرة بلغت نصف مليون في 4/12/1947 انطلقت من الأزهر تضم الطلاب والعمال والمحامين والمهندسين ووقف خطيباً في الجماهير المحتشدة وكان مما قال: إن هذا الشباب ليس هازلاً، ولكنهم جادون عاهدوا الله ثم الوطن أن يموتوا من أجله، إن كان ينقصنا السلاح فسنستخلصه من أعدائنا ونقذف بهم في البحر

من التاريخ البنا وقضية فلسطين



قضية فلسطين لدي الإمام الشهيد ، في المقام الأول قضية الإسلام وأهل الإسلام ، هي كما قال : (قلب أوطاننا وفلذة كبد أرضنا وخلاصة رأسمالنا وحجر الزاوية في جامعتنا ووحدتنا ) وعليها ( يتوقف عز الإسلام أو خذلانه ).
وقد جعل الامام الشهيد القضية الفلسطينية قضية العروبة والإسلام في القرن العشرين ... وبقدر ماكان هذا التصور واضحا في فكر الإمام الشهيد .. إلا أنه لم يكن كذلك لدى عامة الشعب المصري وخاصته بل وغيره من الشعوب الإسلامية في ذلك الحين.. اللهم لا تلك العصبة التي رباها الإمام الشهيد على عينه ، ومن هنا كانت الجهود المضنية التي يذلها الإمام الشهيد وإخوانة في تعريف الناس وتوعيتهم بكثير من المؤامرات على بلاد المسلمين، وفي مقدمة ذلك فلسطين. وكان حريصاً أن يعلم كل مصري وكل مسلم خارج مصر أن الإنجليز قد احتلوا فلسطين وحكموا أهلها بالحديد والنار وأنهم يمهدون لإقامة دولة يهودية عليها، وطرد أهلها منها، ويقومون بتدريب اليهود وتأهيلهم، وفي الوقت ذاته يطاردون كل مسلم على أرض فلسطين إن تدرب على حمل السلاح ويحكمون عليه بالإعدام.
وقد بذل من نشاطات مختلفة من ندوات ومحاضرات ودروس لتوعية الشعب المصري بما يجب عليه إزاء ذلك الشعب المسلم في فلسطين.
فها هو ذا رحمه الله يعلن في المؤتمر الخامس لجماعة الإخوان المسلمين أن الوطن الإسلامي كلٌ لا يتجزأ والاعتداء على جزء منه اعتداء عليه كله، ولابد أن يعمل المسلمون لتخليص البلد المعتدى عليه، وإنّ إنجلترا قد احتلت فلسطين وفلسطين وطن كل مسلم باعتبارها من أرض الإسلام ومهد الأنبياء وعلى المسلمين أن يحرروها من أيدي غاصبيها كما يجب عليهم أن يحرروا غيرها ممن اغتصبوها .. قال رحمه الله: (ونذكر الوفود الإسلامية بمكر إنجلترا وخداعها، ووجوب القيام على حقوق العرب كاملة غير منقوصة، ولنا حساب بعد ذلك مع إنجلترا في الأقاليم الإسلامية التي تحتلها بغير حق، والتي يفرض الإسلام على أهلها وعلينا معهم أن نعمل لإنقاذها وخلاصها).
وقد كان رضي الله عنه يرسل شباب الأخوان إلى المساجد ليحدثوا الناس عن ظلم الإنجليز وبطشهم وقساوتهم على أهل فلسطين ويجمعوا التبرعات منهم من أجل الدفاع عن فلسطين .. ومما يؤسف له أن كثيراً من الناس في مصر في ذلك الوقت كانوا يجهلون أن هناك بلداً اسمه فلسطين، وأن هذا البلد أقرب إلى القاهرة من أسوان، فأحدث البنا رحمه الله هذا الوعي السياسي في هذا الشعب، فبذل الدم والمال من أجل إنقاذه.
وقام الإمام رحمه الله بتوزيع كتاب (النار والدمار في فلسطين) وهو كتاب يعرض بالصور والوثائق الجرائم التي ارتكبتها بريطانيا ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، ومن هذه الصور هجوم الإنجليز على البيوت، وصورهم وهم يمزقون المصحف الشريف ويدوسونه بأحذيتهم وصور من الجرائم والتعذيب بلغت 50 صورة.
لقد أمر البنا رحمه الله بتوزيع عشرات الآلاف من هذا الكتاب فجن جنون الإنجليز في مصر وأوعزوا للحكومة المصرية بمنع هذا الكتاب وملاحقة من وزعه، فداهمت المركز العام قوات من البوليس المصري فوجدت من الكتاب 150 نسخة.
وسأل رئيس القوة عن صاحب هذه الكتب فتقدم الأستاذ البنا وقال: أنا صاحبها، فطلب الضابط من الإمام البنا أن يصحبه إلى النيابة وجرى التحقيق التالي مع البنا رحمه الله.
س: هل أنت صاحب هذه الكتب؟
ج: أنا صاحبها.
س: ألا تعلم أن هذه الكتب تهاجم السلطات وتثير الشعب ضد دولة صديقة وحليفة بحكم المعاهدة؟
ج: أعلم ذلك، وقد قصدت مهاجمة هذه السلطات، ومهاجمة هذه الدولة الحليفة.
س: ألا تعلم أن القانون يعاقب على هذه الجريمة؟
ج: أعلم، وأنا ولا أمانع في إحالتي للقضاء، لأني معترف بهذه الجريمة ومصر عليها.
وأنهى وكيل النيابة التحقيق ورفعه للنائب العام ليحاكمه وكان الإمام البنا كما رأيتم يرغب بالمحاكمة لتكون له فرصة أمام القضاء ووسائل الإعلام ليبشر بفكرته وموقفه.
وهذا ما فطن إليه العملاء بتوجيه سادتهم الإنجليز والقادة الإنجليز في القاهرة، فقد قال السفير للنائب العام بعد أن قرأ التحقيق: إنك بهذا التحقيق تقدم لحسن البنا أعظم خدمة دون أن تدري... لقد استطاع هذا الرجل أن يضحك عليكم ... لقد وزع الكتاب وأصبح في أيدي الناس في كل مكان وما صادرتموه منه لا يعد شيء يذكر بجانب ما تم توزيعه. إن أمنية هذا الرجل هي أن يقدّم للقضاء ليتخذ من منصة الدفاع عن نفسه في هذه القضية السياسية وسيلة إلى نشر أفكاره، وإلى التشهير بنا، وفضيحتنا، وتوصيل ما تضمنه الكتاب إلى أسماع من لم يصل إليه عن طريق الصحف التي ستتبارى في نشر ما يقال في القضية كدأب الصحف في القضايا السياسية... هذا التحقيق يجب أن يحفظ ويفرج عن الأستاذ البنا في الحال


سلكت الجماعة العديد من السبل لتوعية الأمة والشعوب الإسلامية بالقضية الفلسطينية .. منها إصدار منشورات تهاجم الإنجليز ومظالمهم في فلسطين وتبيّن خطر اليهود، وكانت توزع على نطاق واسع جداً .. ودعوته رحمه الله إلى مقاطعة المجلات اليهودية في القاهرة، فطبع قائمة كشوف بأسماء هذه المجلات وعناوينها، والأسماء الحقيقية لأصحابها، وذُيّلت هذه الكشوف بهذه العبارة: إن القرش الذي تدفعه لمجلة من هذه المجلات إنما تضعه في جيب يهود فلسطين ليشتروا به سلاحاً يقتلون به إخوانك المسلمين في فلسطين.
وقد أثار هذا الفعل الصحف الإنجليزية فحملت عليه مُستعدية الحكومة المصرية على مُصدري هذه المنشورات أو الكشوف.
ومما يجدر ذكره أن الحكومة المصرية وسلطات الاحتلال كانوا جميعاً يفاجأون بهذه المنشورات، وهي تراها في أيدي الناس في الشوارع والمحلات والمعاهد والمدارس، وكان كبار موظفي الدولة والوزراء يذهبون في الصباح الباكر إلى مكاتبهم فيجدون هذه المنشورات عليها.
ثم طلب الأستاذ البنا إلى الإخوان المسلمين وسائر المسلمين في المساجد أن يقنطوا في صلواتهم من أجل فلسطين، ووجه بذلك كتباً إلى شعب الإخوان ذاكراً مشروعية هذا القنوط في النوازل ونازلة فلسطين من أشد النوازل، واقترح دعاء مفاده طلب النصر من الله لإخواننا أهل فلسطين على أعدائهم وإزالة الكرب عنهم وتأييد جهادهم.
وقد أحدثت هذه الجهود بفضل الله تعالي أثرها المرجو .. ينبأنا به تلك التحقيقات مع شباب الإخوان في المعتقلات.
المحقق معه: مرسي الصوت، صياد.
يقول له النائب العام: مالك ومال فلسطين، دي دولة، واحنا دولة.
مرسي الصوت: فلسطين دولة عربية ومسلمين وتربطنا بهم صلة الجوار وصلة الإسلام والقرآن.
النائب: لكن أنت صياد ومالك تدخل في صفوف الطلبة.
مرسي الصوت: ليس في الإسلام عامل وطالب، كلنا في الإسلام إخوان مسلمون، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
ويجري الحوار بين النائب والطالب محمود القبائي.
النائب: من الذي أصدر إليك الأمر بعمل مظاهرة لفلسطين.
الطالب: الإسلام يأمرنا بالتعاون والتساند، ورسولنا " يقول لنا: مَنْ لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
النائب: لكن فلسطين دولة غير دولتنا ولا يعنينا أمرها.
الطالب: فلسطين جارة لنا، وهي أقربُ لنا من أسوان، ولابد من الاهتمام بأمر الجار خوفاً من أن يجاورنا اليهود الذي حذّر الله منهم.
ومما يجدر ذكره أن الأستاذ البنا قد زار بعض الطلاب المعتقلين في دمنهور فقال له مأمور القسم يجامله: إن المسألة بسيطة وقريباً سوف تفرج عنهم النيابة।فقال له الأستاذ المرشد: إن هذه أول دفعة، وسوف تأتيك دفعات أخرى ما بقي حالُ البلاد الإسلامية على هذا لمنوال، فكلّ هذا بالنسبة لنا تربية.



وللحديث بقيه

الثلاثاء، ١٢ فبراير ٢٠٠٨